فخر الدين الرازي

78

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الواقعة إلى اللّه تعالى ، فإذا كان الحق من جانبي فاللّه يستوفيه من خصمي ، وإن كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه » / وعند هذا يفوض تلك الحكومة إلى اللّه ويقول أعوذ باللّه . الثالث : أن الإنسان إنما يغضب إذا أحس من نفسه بفرط قوة وشدة بواسطتها يقوى على قهر الخصم ، فإذا استحضر في عقله أن إله العالم أقوى وأقدر مني ثم إني عصيته مرات وكرات وأنه بفضله تجاوز عني فالأولى لي أن أتجاوز عن هذا المغضوب عليه ، فإذا أحضر في عقله هذا المعنى ترك الخصومة والمنازعة وقال : أعوذ باللّه ، وكل هذه المعاني مستنبطة من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الأعراف : 201 ] والمعنى أنه إذا تذكر هذه الأسرار والمعاني أبصر طريق الرشد فترك النزاع والدفاع ورضي بقضاء اللّه تعالى . والخبر الثاني : وروى معقل بن يسار رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ، وكل اللّه به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة » . قلت : وتقريره من جانب العقل أن قوله : ( أعوذ باللّه ) مشاهدة لكمال عجز النفس وغاية قصورها ، والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر مشاهدة لكمال اللّه وجلاله وعظمته ، وكمال الحال في مقام العبودية لا يحصل إلا بهذين المقامين . الخبر الثالث : روى أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من استعاذ في اليوم عشر مرات وكل اللّه تعالى به ملكا يذود عنه الشيطان » . قلت : والسبب فيه أنه لما قال : ( أعوذ باللّه ) وعرف معناه عرف منه نقصان قدرته ونقصان علمه ، وإذا عرف ذلك من نفسه لم يلتفت إلى ما تأمره به النفس ، ولم يقدم على الأعمال التي تدعوه نفسه إليها ، والشيطان الأكبر هو النفس ، فثبت أن قراءة هذه الكلمة تذود الشيطان عن الإنسان . والخبر الرابع : عن خولة بنت حكيم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : « من نزل منزلا فقال : أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل » . قلت : والسبب فيه أنه ثبت في العلوم العقلية أن كثرة الأشخاص الروحانية فوق كثرة الأشخاص الجسمانية ، وأن السماوات مملوءة من الأرواح الطاهرة ، كما قال عليه الصلاة والسلام « أطت السماء ، وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو قاعد » وكذلك الأثير والهواء مملوءة من الأرواح ، وبعضها طاهرة مشرقة خيرة ، وبعضها كدرة مؤذية / شريرة ، فإذا قال الرجل : ( أعوذ بكلمات اللّه التامات ) فقد استعاذ بتلك الأرواح الطاهرة من شر تلك الأرواح الخبيثة ، وأيضا كلمات اللّه هي قوله : « كن » وهي عبارة عن القدرة النافذة ومن استعاذ بقدرة اللّه لم يضره شيء . والخبر الخامس : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا فزع أحدكم من النوم فليقل أعوذ بكلمات اللّه التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لا تضر » وكان عبد اللّه بن عمر يعلمها من بلغ من عبيده ، ومن لم يبلغ كتبها في صك ثم علقها في عنقه .